السيد محمد محسن الطهراني
197
أسرار الملكوت
لكنّ الواقع أنّ جميع هذه الأمور والمخالفات إنّما حصلت بسبب عدم الإدراك الصحيح لمسألة الزعامة والوصاية في الإسلام ، ومرجعها إلى عدم الاطّلاع الصحيح على الدين والشرع والوحي وكيفيّة اتصال العبد بالمبدأ الأعلى وكيفيّة سلوكه وحركته من عالم النفس إلى عالم الغيب ورفع حجبه الظلمانيّة والنورانيّة وتبديل الاستعدادات والفعليات والوصول إلى مرتبة التوحيد والتحقّق بحقيقة أسماء الله وصفاته . لذا يلاحظ أنّ المسلمين تخلّوا بسهولة عن زعامة أمير المؤمنين عليه السلام وخلافته واستعاضوا عنها دون أي خوف بحكومة أصحاب اللحى البيضاء ورئاستهم أمثال أبي بكر وعمر وغيرهما ، وبعد مدّة خمس وعشرين سنة من حكومة الخلفاء الثلاثة ورؤية جميع هذه الفجائع والانحرافات والتسلّط على بيت المال وتفضيل العلاقات والمنافع الشخصيّة على الموازين والضوابط الإسلاميّة ، يذهبون إلى أمير المؤمنين عليه السلام ، لكن أيّ ذهاب هذا ؟ ! ذهاب هو أسوأ مائة مرة من عدم الذهاب ، ومصيبته أشدّ وأعظم . فأمير المؤمنين عليه السلام ليس شخصاً كسائر الأشخاص الذين تنحّوا جانباً بناء على ما تمليه عليهم أهواؤهم وميولهم النفسيّة ، أو أن يكون مقصوده من الحكومة هو الوصول إلى الرغبات الذاتيّة وإشباع الميول النفسيّة والوصول إلى اللذّات الدنيويّة الدنيّة والتصدّي للرئاسة ، كما هو حال سائر الناس . فأمير المؤمنين لم يكن يعتبر أنّ الحكومة هي الأصل في الحياة الدنيا ، بل لم يكن يسعى أبداً أو يهدف للوصول إلى هذا المنصب ، ولن يختلج في سرّه أبداً كلام ككلام الخليفة الغاصب هارون مع ابنه المأمون ، حينما قال له : الملك عقيم [ 1 ] ، ( أي إنّ الحكومة لا تعرف الحسب والنسب ) . فهيهات هيهات أن تتلوّث ساحة قدس أمير المؤمنين
--> [ 1 ] عيون أخبار الرضا ، ج 2 ، ص 86 .